وهبة الزحيلي
22
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
بالتوبة ، وقد تاب آدم عليه السلام وأنهى المشكلة وتقبل اللّه توبته : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ البقرة 2 / 37 ] ولا يقبل عاقل قضية الفداء وإباحة ارتكاب المعاصي لأتباع المسيح ؛ لأن المسيح صلب تكفيرا لخطاياهم . ثم حسم تعالى القول في شأن المسيح ، فأبان أن كل أحد من أهل الكتاب عندما يدركه الموت ينكشف له الحق في أمر عيسى ، فيؤمن به إيمانا صحيحا حقا لا انحراف فيه ، فيعلم اليهودي أنه رسول صادق غير كذاب ، ويعلم النصراني أنه بشر ليس بإله ولا ابنا للإله . وقوله تعالى : لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره : وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به ، ونحوه : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ الصافات 37 / 164 ] وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها . [ مريم 19 / 71 ] والمعنى : وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى وبأنه عبد اللّه ورسوله ، يعني إذا عاين الموت قبل أن تزهق روحه ، حين لا ينفعه إيمانه ؛ لانقطاع وقت التكليف « 1 » ، ولأن كل أحد ينجلي له ما كان جاهلا به ، فيؤمن به ، ولكن لا يكون ذلك إيمانا نافعا له إذا كان قد شاهد الملك « 2 » . ويوم القيامة يشهد عيسى على اليهود بأنهم كذبوه ، وعلى النصارى بأنهم دعوه « ابن اللّه » فتظهر حقيقة حاله ، كما قال تعالى عنه : ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ [ المائدة 5 / 117 ] أي يشهد للمؤمنين منهم بالإيمان وعلى الكافر بالكفر ؛ لأن كل نبي شهيد على أمته كما قال تعالى : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ، وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [ النساء 4 / 41 ]
--> ( 1 ) الكشاف : 1 / 437 ( 2 ) تفسير ابن كثير : 1 / 577